السيد عبد الأعلى السبزواري
321
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
قوله تعالى : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ . التفات إلى بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر ، ومادة ( مكر ) تدلّ على كلّ ما يصرف الإنسان عن مقصده ، فإذا كان بحيلة فهو خديعة وشرّ ، وإن كان بغيرها كان محمودا ، ولذا يتقسّم المكر إلى قسمين ، حسن وسئ ، قال تعالى : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [ سورة فاطر ، الآية : 43 ] ، وقال تعالى : أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ [ سورة النحل الآية : 45 ] . وقد وردت هذه المادة في القرآن الكريم مكرّرة تبلغ أكثر من أربعين موردا نسبت . . تارة : إلى الإنسان بلا واسطة ، قال تعالى : قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ [ سورة النحل ، الآية : 26 ] ، وقال تعالى : وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ [ سورة فاطر ، الآية : 10 ] ، وقال تعالى : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [ سورة الأنفال ، الآية : 30 ] ، وأشدّ ما وصف اللّه تعالى به مكر الإنسان قوله عزّ من قائل : وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ [ سورة إبراهيم ، الآية : 46 ] . وأخرى : بواسطة ، قال تعالى : بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ [ سورة سبأ ، الآية : 33 ] ، والمراد به الظلم والشرّ الواقعان في الليل والنهار من الإنسان . وثالثة : نسبت إلى اللّه جلّ شأنه مزاوجة ومشاكلة في اللفظ ، كما في هذه الآية الشريفة ، وفي قوله تعالى : وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ سورة النمل ، الآية : 50 ] ، وبدون مزاوجة ، قال تعالى : أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ [ سورة الأعراف ، الآية : 99 ] . وقد اختلف المفسّرون والعلماء في نسبة المكر إلى اللّه تعالى ، فقيل إنه لا يجوز